//
you're reading...
Uncategorized

بشّار سرّ أبيه .. وهذه هي الخفايا المسكوت عنها !

يحتار المواطن العربي غير المطلع على خفايا الوضع الداخلي في سورية بتفسير خلفيات ما يجري تداوله على الألسن وفي وسائل الإعلام . هل العلويون كلهم بشار الأسد ، وهم طائفيون ومُمَيّزون ، ويشاركون ـ كطائفة ـ فيما يجري من تقتيل ، ولهذا السبب يعمل النظام على إشعارهم بأن أي تحرّك يستهدفه سوف يستهدفهم بالضرورة ؟
قبل الإجابة التي لا يمكن أن تُختزل بنعم أو لا ، يجدر التنويه إلى أن تعداد الطائفة العلوية في سورية لايتجاوز نسبة 12 بالمئة من مجموع أبناء البلد ، بينما يُقارب تعدادهم في تركيا ربع السكان ، ومع ذلك لم نسمع عنهم جزءا مما يتردد حول وضعهم الاستثنائي في الحالة السورية ، لا من حيث الاستئثار بمراكز القوة العسكرية والأمنية ولا التميّز الطائفي عن سائر المواطنين الآخرين من أبناء بلدهم ، فما هو سرّ ذلك ، . ولماذا لم تنشأ في تركيا الجارة مثل هذه الحالة من التكتل السلطوي لأبناء طائفة معيّنة وبهذه القوّة والحضور ؟
إذا كان جواب البعض بأن ذلك يعود الى كونهم محاصَرين ومقموعين في تركيا ، ولا يستطيعون التحرّك ضد السلطات الحاكمة فيها ، فإن هذا أدعى إلى أن يتكتّلوا كطائفة أقلية وكبيرة في الآن عينه إذا أصابهم غبن أو كانت حقوقهم منقوصة .أما في سورية فلم يكونوا كذلك على الدوام ، رغم محاولات الإحتلال الفرنسي اللعب على غريزة حقوق الأقليات ومحاولة تقسيم الجسد السوري الى دويلات ذات صبغة طائفية وعرقية.
في سورية لم يكن الأمر كذلك بعد الإستقلال ، سواء قبل الوحدة مع مصر أم بعدها ، ولا نذكر أية مؤشرات على تعصّب فئوي ، ولا تكتل عسكري أو مدني لطائفة داخل أجهزة السلطة أو خارجها . فهل يختلف علويّو سورية الآن عن نظرائهم في تركيا ، أم أن النظام أو بالأصح رأس النظام هو الذي اختلف ؟
إن نظرة ممعنة لبدايات نشوء هذه الحالة ترينا كيف أنه منذ قيام حافظ الأسد بانقلابه الذي أطلق عليه اسم “الحركة التصحيحية” ضد رفاق دربه ، قد بدأ وهو العسكري ابن الطائفة التي لم يصل أحد منها في تركيا الى مثل ما وصل إليه ، بتركيز اهتمامه الأساس على استقطاب أبناء طائفته من خلال تسريبهم إلى قلب المراكز الحساسة ، وتسهيل سبل انضمامهم الى المؤسستين العسكرية والأمنية بشكل خاص . ولما كانت أغلبية شباب الطائفة من أبناء الطبقة الكادحة ، فقد كان من الطبيعي أن يُشكّل انضمامهم للجيش وقوات الأمن والمخابرات طموح معظمهم . وهكذا فتحت أمامهم الأبواب الواسعة للتكتل، دون أن يكون لهم بالضرورة ناقة ولا جمل في بواطن هذا التوجه ، الأمر الذي مكّنه من التفرّد الكامل بالسلطة .
وهكذا عرف حافظ الأب كيف يخلق معادلته الخاصة . فإذا كان أي نظام ديمقرطي لا يحتاج لسند من فئة بعينها ، لأنه يحظى بثقة أغلبية الشعب ، فإن المُمسِك برأس الحكم الدكتاتوري الفردي يحتاج لفئة يراها سنده المضمون والأقرب إليه بمقياسه ، فيشعرها من جهة أنها مميّزة وأن مصيرها مع مصيره وقوتها من قوته ، ثم يشعرها من جهة أخرى أن وضعها هذا سيجعلها إذا ما تمّ استهداف النظام هدفا لأعدائه ، أي ستصبح وإياه في خانة الملاحَقة والحساب ذاتها ، وهو ما يدفعها الى الاستماتة دفاعا عنه .
وفي ظل هذه المعادلة التي لم تعد سرا مع الأيام ، كُرّست هيكيلية معيارها الأول تقريب الأكثر وثوقا والتزاما بما يُضمره ويخطط له القائد. وهذا لا يعني بالضرورة الأعلى رتبة . لذلك لم يتوان حافظ الأب ومنذ بداية اعتماد هذا النهج عن التخلّص من أي ضابط علوي مهما علت رتبته إذا لم ير فيه الولاء المطلق بمقياسه الخاص . وهذا يؤشر إلى أن المشكلة الأساسية لا تكمن في الطائفة ذاتها ، بل في الرأس الطائفي الذي استغلها لمآربه ، لأنه رأى فيها ضمانا أكثر وثوقا من غيرها ، تماما كما استشعر ذلك معمر القذافي في وقت لاحق عندما ارتأى في قبيلة القذاذفة سندا له وضمانا لجماهيريته ، وكذلك الأمر بانسبة لعلي عبد الله صالح وقبيلته التي يقال أنها سنحان أو نصف حاشد ، ناهيك عن عصابة مبارك الفاسدة وشبّيحة نظامه.
كما يؤشر أيضا إلى أن تمكين التكتل الطائفي من الإستحواذ على الجيش والأجهزة الأمنية لم يكن تنفيذا لقرار اتخذته الطائفة ذاتها، ولا تتحمل هي مسؤولية استشرائه وتداعياته الخطيرة ، بل تنفيذا لرغبة الحاكم الفرد الذي عشّشت في ذهنه فكرة الإستئساد على وطنه وأبناء شعبه ، مسنودا بتكتل أبناء طائفته وسيطرتهم على المواقع التي يعتقد أنها تمثّل سياج الحماية له ، معتمدا في ذلك على مقياس النسب الطائفي بدل مقياس الإلتزام الوطني و السياسي . وارتأى في هذا الإعتماد صيغة تضمن إيقاف مسلسل الإنقلابات التي شهدتها سورية تباعا في السابق.
ويكفينا للدلالة على مدى خبث نواياه وتعمّد إقصائه الأكثرية والعمل على تمييز أقلّيته في الآن عينه ، مقارنة نسبة الضباط العلويين عند استيلاء حافظ على السلطة بانقلابه “التصحيحي” مع نسبتهم في هذه الأيام ، لكي نرى أن تعدادهم في العام 1970 لم يتجاوز ثلث مجموع الضباط ( وهي مع ذلك نسبة تعادل ثلاثة أضعاف نسبتهم الى مجموع أبناء بلدهم ، وقد ساعد على ارتفاعها دون ضجيج المجموعة الحاكمة التي انقلب عليها في العام 1970) . أما الآن فقد تعدّوا عتبة الـ 90 بالمئة ، علما بأن نسبتهم ونسبة غيرهم من سائر الطوائف لم تكن قيد الملاحظة والتدقيق في الحقبات الماضية ، لأن قضية التمييز والتفرقة بين انتماء هذا وذاك لم تكن مثار اهتمام الشعب المتآخي .
أما وقد حصل ما حصل ، وتعزّز هذا النّفَس أكثر وأكثر بالطريقة التي فُرِض فيها الإتيان بابنه بشار رئيسا من بعده بين ليلة وضحاها ، من خلال المسارعة بتعديل الدستور لـ “شرعنة” سِنّه على مقياس التحديد الجديد ، وكأن سورية بتاريخها وتراثها لم تُنجب غير ابن صاحب هذا النهج الإقصائي والتمييزي المدمّر ، فإنه لم يكن غريبا وقتها حيث الموات الشعبي يسود الوطن الكبير من محيطه الى خليجه ، أن لا يتحرك أحد ولا تندهش الطائفة التي تختص نخبة من أبنائها بمهمة حماية النظام والدفاع عنه .
لكن الأمر اختلف بعد أن اندلعت مؤخرا ثورات الربيع العربي مطالبة بإسقاط الأنظمة الدكتاتورية وأزلامها ، وبإزالة مظاهر الفساد وتخريب المجتمع ، وكان لسورية نصيب الأسد الحقيقي فيها ، فأصبح من الطبيعي أن تتعالى النداءات المطالبة كل مكونات المجتمع وفي مقدمتها طائفة الرئيس بتحديد مواقفها مما يجري ، ورفع الصوت تنديدا بعملية التقتيل الجماعي ، وكان من الطبيعي أيضا أن يُسارع شرفاء العلويين الذين لم يُشاركوا في لعبة النظام ولم يصبحوا وقودا لتطلعاته إلى إعلان مواقفهم الصريحة من ممارساته الوحشية ، رغم إدراكهم أن خروج العَلويّ ضد “نظامه” يُعتبر حسب منطق النظام قد ارتكب جريمتين لا جريمة واحدة ، بالنسبة لغيره من أبناء الوطن . أولاهما خيانة نظامه وثانيهما خيانة طائفته .
ومع ذلك ، فإن أكثر من مرجعية دينية وعائلية بارزة أعلنت موقفها الصريح بجرأة وقوة ، كان من أبرزها البيان الذي أصدره بتاريخ 12 سبتمبر الماضي ثلاثة من كبار مشايخ الطائفة العلوية بمدينة حمص ، هم : مهيب نيصافي وياسين حسين وموسى منصور ، أعلنوا فيه براءتهم من جرائم النظام ، مع لفت الأنظار الى أن قيادات علوية قد تعرّضت هي الأخرى للاضطهاد من قبله ، وأن الكثيرين من أبناء الطائفة يناضلون مع إخوانهم من أبناء الطوائف الأخرى في المعارضة لإسقاطه والإنتقال الى الديمقراطية . وانطلاقا من هذه الحقيقة دعا المشايخ الثلاثة إلى عدم الوقوع في الخطأ واتهام العلويين كطائفة بما يقوم به النظام الذين هم أيضا ضحيته .
بعد ذلك بأقل من شهر، صدر بيان آخر بنفس الروحية على موقع الفيس بوك ، وقّعه عدد من الشخصيات التي تمثّل أبرز العائلات العلوية ، كرّروا فيه إعلان التبرؤ من “الحكم الدكتاتوري الفرد الذي يعتمد على مجموعة من الإنتهازيين من كل الطوائف ، ويستخدم فقراء العلويين كجيش انكشاري لحمايته ” كما ورد نصا ، ودعوا فيه الى ضرورة التمييز بين محاسبة أركان النظام والمرتبطين به ومحاسبة الطوائف التي ينتمون إليها.
هذا الكلام “الإعتراف” إن صح التعبير ، لم يكن أصحابه مجبَرين على أن يخرج من أفواههم بهذه الصياغة التي تستفزّ رأس النظام ومن معه إلى أقصى حد ، الّلهمّ إلا إذا كان يعبّر فعلا عما في داخل الشريحة غير المتورّطة من الطائفة مع النظام ، وهي الشريحة التي ترى أن للوطن أولوية على الطوائف والأفراد . بمعنى كان يمكن أن يأتي عموميا وعائما في تعابييره الشاجبة لما يحصل ، مثلها مثل عموميات بعض قوى المعارضة التي تمسك عصا “الإصلاح” من الوسط .
لا ننفي هنا أن النفَس الطائفي يفوح من البعض ، ويداعب البعض الآخر ، لكن لا هؤلاء ولا أولئك هم الطائفة ، ولهذا ما أحوجنا في هذه الأيام التي تتطلّب حشد كل قوى الشعب الخيّرة الى التركيز على فضح النظام والعمل على كسب كل من يستنكر نهجه ـ خصوصا من أبناء الطائفة العلوية ـ حتى نردّ جميعا كسوريين على معادلة حافظ الأب التي أمعن ابنه في تعميقها ، ونُثبت أن طائفيته شيء والطائفة ـ أي طائفة ـ شيء آخر .
إن نظرة ممعنة لبدايات نشوء هذه الحالة ترينا كيف أنه منذ قيام حافظ الأسد بانقلابه الذي أطلق عليه اسم “الحركة التصحيحية” ضد رفاق دربه ، قد بدأ وهو العسكري ابن الطائفة التي لم يصل أحد منها في تركيا الى مثل ما وصل إليه ، بتركيز اهتمامه الأساس على استقطاب أبناء طائفته من خلال تسريبهم إلى قلب المراكز الحساسة ، وتسهيل سبل انضمامهم الى المؤسستين العسكرية والأمنية بشكل خاص . ولما كانت أغلبية شباب الطائفة من أبناء الطبقة الكادحة ، فقد كان من الطبيعي أن يُشكّل انضمامهم للجيش وقوات الأمن والمخابرات طموح معظمهم . وهكذا فتحت أمامهم الأبواب الواسعة للتكتل، دون أن يكون لهم بالضرورة ناقة ولا جمل في بواطن هذا التوجه ، الأمر الذي مكّنه من التفرّد الكامل بالسلطة.

د. عمار البرادعي
* كاتب سوري يقيم في باريس

مناقشة

One thought on “بشّار سرّ أبيه .. وهذه هي الخفايا المسكوت عنها !

  1. اوافق الراي اخي الكريم واضيف الى معلوماتك بان حافظ الوحش في سبعينات القرن الماضي امر كل مخاتير القرى في جبال العلويين بالاجتماع بشباب القرى لحثهم على التطوع با لجيش و دلك لكى يكونو سندا له وقوه ويد طائله لسحق اى تمرد يحصل ؟علما ان السيطره في كل الدول للجيوش و الاقوى الامنيه .تحيه الثوار و الرحمه لارواح الشهدائ عاشت سوريه ويسقط بشار النعجه.الشعب السوري واحد الحريه للمعتقلين

    Posted by محمد شواف | ديسمبر 5, 2011, 3:34 م

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: