//
you're reading...
Uncategorized

كوكتيل الاستبداد: عن الحداثة و المقاومة و الإسلام الجوهراني

(1)
ليس ثمّة فروقات جوهريّة بين أنظمة الاستبداد سواء أكانت مشروعيّتها دينية أو غير دينيّة, و أفضّل هنا استخدام مصطلح العقائد ليشمل العقائد الدينية المتعارف عليها و العقائد غير الدينية كما في حال الماركسية على الأقل بنسختها الستالينيّة , و النازيّة و البعث بنسختيه العراقية و السورية , و تأليه الزعيم الفرد أو الأسرة الحاكمة..الخ.
و من الضروري التذكير بأن العقيدة تشكّل أحد أبعاد الكينونة الاجتماعية , و ليس ثمّة جوهر ثابت لا يتغيّر في أي عقيدة فالعقيدة هي شكل/ طريقة تشكّل , و تختلف العقائد في طرائق تشكّلها و بالتالي صلاحيّتها و المصالح التي تعرضها, و هذا الاختلاف نجده في العقيدة الواحدة و بين عقيدة و أخرى.
هذه المقدّمة ضرورية لتأكيد التشابه بين أنظمة الاستبداد ذات المشروعيّة الدينية أو غير الدينية, حيث أن الاستبداد هو في النهاية إلزام البشر قسراً بأفكار و سلوكيات يقر عموم الناس فطريّاً بعدم إلزامها لهم.
(2)
ثمّة عداء مستحكم و مشروع بين الكثير من المثقفين العرب و الإسلام الجوهراني الذي يسعى لتأسيس “حكم الله في الأرض- أو حكم يرضى عنه الله في الأرض”, و هو صراع يمكن حمله من ناحية المبدأ بكونه صراع إيجابي من أجل تحرير الإنسان من سلطة الكهنوت الديني ووكلائه .
(3)
في المثال السوري و وفقا لتحليل للكاتب ياسين الحاج صالح يحظى النظام بدعم شريحتين من المثقّفين الايديلوجيين
هما “ايديلوجيا الممانعة و المقاومة” و من تعبيراتها : إسلاميّ ولاية الفقيه و وبعض المثقفين القوميين .
و الثانية هي “ايديلوجيا الحداثة ” من حيث أن النظام السوري حافظ على هامش واسع نسبيا فيما يخص الحريّات الاجتماعية ” كالطعام , اللباس , التعبير الفني , الدراما , و حضور المرأة في المجتمع ” و طبعا هذا صحيح بالمقارنة مع أنظمة عربية أخرى تتبنّى الايديلوجيا الوهابية “السعودية” و بالمفارقة هو أيضاً صحيح مقارنة مع نظام ولاية الفقيه في إيران أيضا.
و بناء على سبق – من وجهة نظرهم – النظام السوري يجمع المجد من أطرافه فهو مقاوم و حدا ثوي.
(4)

نعود لموقف الايديلوجيين الحداثويين في دعمهم للسلطة بمبرر أن مستقبل سوريا في حال سقوطها, مرشّح بقوة ليكون إمارة طالبانية وهابيّة ظلاميّة..الخ.
هذا الموقف إضافة لكونه متشائم فهو يطرح إشكالية إخفاء مزدوج:
أولا: حصر الاستبداد بعقيدة الإسلام “السنّي” و السكوت عن استبداد العقائد غير الدينية ك:”البعث” و تاليه الحاكم الفرد , هم يتغاضون عن وحدة معايير حقوق الإنسان , و يستخدمون ايديلوجيا الحداثة لمهاجمة الاستبداد الديني , و الدفاع عن استبداد النظام عبر السكوت عنه, أو تصويره كقدر و كبديل جيد و مقبول.
ثانياً: اختزال بدائل السلطة القائمة بنموذج طالباني و هابي , و تشويه صورة الحراك الشعبي بطبعه بطابع سلفي ظلامي و هذا في العموم مناف لبرهان الحدوث بغض النظر عن نوايا و دوافع الحداثويين .

ثانياً: عدم الانتصار و عدم التعاطف مع المظلوم, و الوقوف إلي جانب المنتصر و القوي , و هذه قيمة غير حداثيَّة – بالمعنى التنويري للحداثة – ففي ذلك “انتهاك للديمقراطية و حقوق الإنسان”
أتفهم جيدا ضرورة أن يأخذ المثقف موقف نقدي تجاه الظواهر , و تجاه السلطة و المعارضة و الحراك و تسليط النظر على قصوره و رفض بعض أو كثير من تعبيراته, فليس واجب المثقف التصفيق لكل معارض للمستبدّ , فالمعارضة الحيوية في أي مجتمع هي معارضة للاستبداد و ليس فقط للمستبدّ , إنّ ما سبق يدخل بشكل صميمي في عمل المثقّف النقدي. و لكن أن يكون الموقف النقدي للمثقّف مقتصرا على الحراك و مغفلا أو مخففا من وزر السلطة, فهذا يطرح إشارات استفهام حول الموقف النقدي و الأخلاقي للمثقف؟!
كيف يمكن تناسي مفاعيل أكثر من 50 سنة من الجوهرانية السياسيّة و تشجيع الإسلام بصيغته السلبية, حيث تم تبرئه السلطة من مفاعيلها , و استخدام الإسلام الجوهراني كمشجب ليس أكثر؟!
على المثقّف أن يكون صاحب رؤية عميقة مجمّعة لمناظير المشهد المدروس.
(5)
هل تقييد حرية التجمع و التقييد على وسائل الإعلام و مراقبة الناس و التجسس عليهم و على حرية تعبيرهم و انتهاك حقوقهم الأساسية قيمة حداثيَّة يُنتصَر لها ؟
هذا سؤال في رسم الايديلوجيين الحداثويين ؟
(6)
ثمّة ازدواجية معايير أخرى أقلّها إخفاء تقييد و انتهاك النظام الإيراني لحقوق الإنسان مع تركيز على المثال السعودي , رغم عدم وجود فروقات جوهرية بينهما من حيث الاستناد في المشروعية على عقائدية جوهرانيّة دينيّة, و العكس صحيح من حيث تركيز النقد على النظام الإيراني..الخ.
سؤال في ذمّة حداثويين بلبوس مذهبي طائفي؟!.

(7)
هل من وحدة المعايير الانتصار للمظلوم في فلسطين, و عدم الانتصار للمظلوم على يد النظام الوطني , هل القتل بأيدي وطنية عذر مخفِّف أم مُحلْ لجرم القتل؟
سؤال أطرحه على موالي ايديلوجيا الممانعة و المقاومة.
(8)
سأعرض مثالا لإحدى تظاهرات القمع الديني و هو الحسبة كما تظاهر في نموذجي مصر و سوريا , و قانون الحسبة هو القانون الذي يتيح لإنسان إقامة دعوى قضائية عن إنسان آخر, تحت ذريعة أنه يخالف أو يعارض الله و الشريعة الإسلامية؟؟
و كلمة “حسبة” هي في الأصل العمل لأجل الله تعالى , و أن الشخص الذي يقيم الدعوى يحتسب نفسه أنه قام بذلك لوجه لله و هو بمثابة وكيل لأعمال رب العالمين.
(9)
لقد شاعت دعاوى الحسبة في مصر في ربع العقدين الأخيرين , و تم عبرها الإساءة و التقييد على حرّية مفكّرين و مثقّفين و صحفيين مصريين
كالدعوى التي تم بسببها تطليق المفكّر نصر حامد أبو زيد من زوجته ابتهال يونس و مما تسبب بتهجيره إلى هولندا , و كذلك نذكر دعاوى الحسبة على: إبراهيم عيسى رئيس تحرير جريدة الدستور المصرية و ما نسبه إليه المحتسبون من نشر أخبار كاذبة عن “صحة الرئيس حسني مبارك و الإضرار بالاقتصاد القومي” و نذكر كذلك الدعوى التي رُفعت على د.سعد الدين إبراهيم و الذي نَسَبَ المحتسبون إليه أنّه قام ” بالإساءة لسمعة مصر و سعى لتقليل حجم المعونة الأمريكية لمصر” و كذلك نذكر دعوى الحسبة على الدكتورة نوال السعداوي و طلب تفريقها من زوجها:د.شريف حتاته تحت ذريعة الارتداد و الردّة , و كذلك دعوى تكفير الشاعر حلمي سالم عقب نشره لقصيدة ” شرفة ليلى مراد” ..الخ.
إن دعاوى الحسبة استخدمت من قبل الاسلامويين المصريّن لقمع الحرّية الفكرية و حرّية التعبير في مصر , و قد تمّ هذا تحت إشراف السلطة المصرية , لا بل تم استخدامه في حالات مثل إبراهيم عيسى للتخلص من معارضين لنظام مبارك.
(10)
معاناة المثقّف السوري مزدوجة إضافة – لذهنيّة الحسبة الدينية التقليدية مجازاً – ثمّة حسبة لا تمرّ بالقضاء تكون عبر وشاية أو تقرير عنصر أمن , مسمّاها الظاهري الحفاظ على أمن الوطن و المواطن و الوحدة الوطنية , و ثمّة أخرى تأخذ شكل دعاوى حسبة صريحة ,يقوم بموجبها أشخاص سوريين يفوِّضون أنفسهم رفع دعاوى على أبناء وطنهم لاحتساب ذلك أجراً ليس عند الله كما في حال الإسلاميين بل عند السلطة وكيلة الله في أرضه , و قد يكون ذلك بإيعاز تسهيل منها.
العقيدة الجوهرانية الإسلامية تستبدل هنا بعقيدة سلطوية وطنية بعثية ذات لبوس
حدا ثوي.
و سأثبت مثالين لدعاوى الحسبة في تاريخ سوريا الحديث :
المثال الأوّل:
ادعى 44 محامياً بينهم عمران الزعبي على الناشط الحقوقي نزار نيّوف عقب بث مقابله له في برنامج ” بلا حدود” على قناة الجزيرة صيف 2001 قام فيها ب: “الكشف عن قضية دفن النفايات الكيماوية و النووية في البادية السورية من قبل نائب الرئيس السوري عبد الحليم خدّام و أبناءه”
بتهمة “ضرب السياحة الوطنية”, و كذلك عقب ” كشف نيوف لعدم دخول عائدات النفط في الموازنة العامة على مدى سنوات” بتهمة الإساءة لسمعة الاقتصاد الوطني

المثال الثاني:
إدّعى ثلاثة محامين ” عمر لطف الله- نهاد بدر داغر- بسام علي” في حمص بتاريخ 17—2011 على الناشط الحقوقي محمد طيارة باسم الحق العام :”
“بالتحريض على التظاهر وتطبيق مشروعه المرتبط بمؤامرة ضد الأمة، التحريض و تجييش المشاعر عبر القنوات الفضائية المتآمرة والمعادية. و بالتحريض على قتل عناصر الأمن والجيش والتمثيل بجثثهم ، والحط من هيبة أجهزة الأمن..”
للتوسع يمكن مراجعة مقالين هما: “ثاني دعوى حسبة مخابراتيّة في تاريخ سوريا الحديث- موقع الحقيقة ” ” قانون الحسبة البعثية – في سوريا :محامون سوريون يتقمّصون الإسلاميين المصريين ..علمانيا – موقع الحوار المتمدن”
(11)
إنّ قيام الدولة على مشروعية عقائدية بطريقة تشكّل جوهرانية يؤسس لشتى أنواع القمع و ثقافة الحسبة و الاحتساب.
. فمحك المثقّفين الحداثيين نقد ورفض كلا النمطين من الحسبة : سواء المستندة إلى عقائد دينية أو غير دينية.
المطلوب وحدة معايير حقوق الإنسان في حق الحياة و المساواة حرّية التعبير .
حمزة رستناوي
جدار

مناقشة

لا يوجد تعليقات.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: