//
you're reading...
دكتاتورية

الخلافة العثمانية (ملخص لتاريخ الخلافة العثمانية)

صورة من إحدى مجازر الخلافة العثمانية:

حكاية الرجل المريض: القصة الكاملة للإمبراطورية العثمانية
   
(1) سقطت بغداد على يد هولاكو المغولي (مؤسس السلالة الإيلخانية)  في عام 1258، وبسقوطها انتهت الخلافة العباسية وقتل آخر خلفائها (المستعصم). دام حكم العباسيين خمسة قرون ونيف (750-1258)، وبزوالهم المفاجئ صارت منطقة الشرق الأوسط نهباً مشاعاً للغزاة من كل القوميات والأجناس والأعراق، وخلت الساحة من “أمراء المؤمنين” الذين يؤمون المصلين في المساجد نهاراً، ليقيموا مجالس القصف والسكر  والخلاعة والفجور في قصورهم ليلاً.
(2) بعد ربع قرن من الزمان أسس عثمان الأول (1281-1326) الإمبراطورية التي سميت فيما بعد باسمه. وضع عثمان نواة إمبراطوريته تلك في الجبال الوعرة من وسط أسيا الصغرى (قرب أنقرة الحالية)، وعلى مسافة تزيد على ألف كيلومتر شمال/غربي مدينة بغداد. استثمر سلاطين بني عثمان الظرف التاريخي لصالحهم فأطلقوا على أنفسهم لقب “أمراء المؤمنين”، وقالوا بأنهم حماة حمى الإسلام، والذائدين عن الأرض والعرض.. يحكمون باسم الدين، ويقاتلون “في سبيل الله”، لنشر دينه “الحنيف”، وإبادة “الكفرة” عن وجه الأرض.
(3) لم تذق البشرية طعم الراحة والسلام، على مدى سبعة قرون ونصف (1281-1923)، إذ أغرقها العثمانيون في دوامة من الحروب المتواصلة، وأبادوا أمماً وقبائل عن بكرة أبيها. توالى على حكم الخلافة سبعة وثلاثين سلطاناً كان آخرهم السلطان عبد المجيد الثاني (1922-1924). نجح العثمانيون خلال فترة حكمهم الطويل في نشر الرعب والهلع والقتل والدمار في كل الأرجاء. فتكوا بكل ما وقع في قبضتهم من شعوب وممالك وحضارات، حتى حلت نهايتهم بنهاية الربع الأول من القرن العشرين حين انبرى القائد التركي العظيم مصطفى كمال أتاتورك (1881-1938)، ليطهّر بلاده من رجس الطغاة، ويلغي نظام الخلافة، ويعلن عن تأسيس الجمهورية التركية الحديثة (1923).
(4) تحت معاول العثمانيين الأوباش، سقطت القلاع الحصينة والمدن الزاهرة، واحدة تلو الأخرى. واستشرى وباء العثمنة في الأمم كالنار في الهشيم، فتهاوت تحت ضرباتهم اللئيمة كل أسيا الصغرى، ونصف أوربا وعموم منطقة الشرق الأوسط، وشمال أفريقيا. خلف أورخان (1324-1359) أباه عثمان الأول، فاحتل مدينة بروسة وجعلها عاصمة له، وتلاه مراد الأول (1359-1389) الذي احتل أدرنه وجعلها عاصمة له، ثم احتل صوفيا وتسالونيقي (1385-1386).
(5) تخلف بايزيد الأول (الصاعقة) (1389-1402) عن أسلافه، فانهزم أمام تيمورلنك في معركة أنقرة (1402) وسقط في الأسر. لكن مراد الثاني (1421-1451) تدارك عثرة جده بايزيد فاستعاد زمام الأمور وانتصر على بولونيا وهنغاريا (المجر) في معركة فارنا (1444)، وعلى صربيا في معركة كوسوفو (1448). وسار محمد الثاني (الفاتح) (1451-1481) على خطى أخيه مراد الثاني فأسقط الدولة البيزنطية واستولى على عاصمتها القسطنطينية (1453)، التي جعلها عاصمة للعثمانيين وأسماها الأستانة (استنبول)، ثم حاصر بلغراد وارتد عنها أمام صمود يوحنا هونيادي، لكنه واصل غزواته ضد البيزنطيين، وأسقط عاصمتهم المؤقتة في مدينة طرابزون الأرمنية (1461).
(6) استمرت الحروب سجالاً بين العثمانيين والأوربيين حتى وصل إلى حكم الأستانة، السلطان سليم الأول(1512-1520) والذي أحدث تغييراً جوهرياً في وجهة المعارك. فقد استشعر السلطان سليم خطراً متنامياً على الحدود الجنوبية الشرقية لإمبراطوريته، فحارب الصفويين وانتصر على الشاه إسماعيل الأول الصفوي في معركة جالدران (1514)، ثم حارب المماليك وانتصر عليهم في معركة مرج دابق (1516)، التي دارت رحاها على نهر قويق (بين منبج وأنطاكيا)، وأسقط حلب ودمشق والقاهرة، وشنق ملكهم الأشرف (طومان باي الثاني)، منهياً بذلك حكم المماليك لمصر (1517).
(7) انبهر السلطان سليم الأول لتعدد الصناعات وتنوع المهن في مدينة حلب الشهباء، وفوجئ بالرقي والعمران الذي وصلت إليه المدينة العريقة، والذي طبع بعمق في ذاكرته المريضة (لا نقول في وجدانه، فهو لا يملك وجداناً). زار المدينة بعد عدة سنوات ليجدها في حال يرثى لها من الانحطاط والتردي. استفسر عن سبب الخراب والدمار الذي أصاب المدينة والتي كانت قبلاً قبلة للناظرين، فأخبره مرافقوه بأن ماحدث هو نتيجة طبيعية لعدم استتباب الأمن في المدينة، ولسيطرة الجيش الإنكشاري عليها، وكأني بهم يقرؤون الإنجيل الشريف: “من ثمارهم تعرفونهم، أيجنى من الشوك عنب، أو من العليق تين؟” (متى 7/15-16) 
(8) تساءل سليم بدهشة، عن سـر اختفاء دكاكين الصاغة والحرفيين المهرة، الذين كانت تعج بهم المدينة فيما مضى، فرد عليه أحد قادة جيشه: “لقد هرب نفر كبير منهم لدى دخولنا المدينة، وقتل العديد منهم بأيدي جيشنا، وأما البقية الباقية فقد أعلنوا إسلامهم، وتعلموا اللغة التركية، وانضموا إلى صفوف الجيش الإنكشاري”. إثر هذه الزيارة، أصدر السلطان العثماني مرسوماً باستجلاب 40 عائلة من أصحاب المهن والحرف، من الموارنة السريان من أطراف جبل لبنان، ليعيدوا لمدينة حلب وجهها الحضاري المشرق، على أن يعيشوا بمعزل عن المسلمين. جيء بالحرفيين المسيحيين، وأمروا بالإقامة على أطراف المدينة القديمة في (حي الأربعين) وبحضورهم انتعشت حلب ثانية: “أنتم نور العالم، لا تخفى مدينة على جبل، ولا يوقد سراج ويوضع تحت المكيال، بل على المنارة، فيضيء لجميع الذين في البيت” (متى 5/14- 15).
(9) بعد أن كسر سليم شوكة الصفويين والمماليك، استتب الأمر لابنه سليمان القانوني (1520-1566)، الذي حارب على عدة جبهات، وانتصر على خصومه جميعاً، ووسع رقعة الإمبراطورية إلى أقصاها. اتجه شمالاً وغرباً فاحتل بلغراد ورودس (1522) وانتصر على المجر في معركة موهاكس (1526)، ثم اتجه جنوباً وشرقاً فاحتل بغداد وتبريز (1534)، وأرغم الصفويين على نقل عاصمتهم من تبريز إلى قزوين (1555). تعد مرحلة حكم السلطان سليمان القانوني أوج مجد الإمبراطورية العثمانية، ومع ذلك فلا يصح أن نسمي تلك الفترة “عصراً” أو “عهداً”، بل “حقبة” ليس إلاّ. عاشت البشرية تحت نير العثمانيين المقيت أشد أيامها جهالة وظلمة (1281-1923). فقد نشر بنو عثمان روح التعصب الأعمى والحقد الأسود، والجهل والتخلف والقتل والتدمير. ومرت فترات حكمهم الطويلة دون إنجازات تذكر، فتاريخهم بمجمله وصمة عار يندى لها جبين الإنسانية.
(10) اقترف العثمانيون أبشع المجازر وأكثرها هولاً بحق مئات الملايين من الأبرياء والعزّل. وخير مثال على بشاعة العثمانيين، إصدارهم المرسوم السلطاني (الفرمان)، الذي أجاز قتل أكثر من مليون ونصف المليون من الأرمن، ونصف مليون من الكلدوآشوريين (1915-1918)، في مجازر مروعة سميت في التاريخ الحديث بـ”سفر برلك” أو بـ”مذابح الأرمن”. ورافق تلك المجازر تشريد أضعاف هذا العدد من الأبرياء الذين هربوا إلى البلاد المجاورة على غير هدى، باحثين عن ملجأ يؤوون إليه، فهلك  الكثيرون منهم جوعاً وعطشاً، وصار آخرون هدفاً مباشراً لقطاع الطرق، وطعاماً جاهزاً للوحوش والكواسر.
(11) عين السلاطين العثمانيون ولاة لهم على الأقاليم التي سيطروا عليها، وأطلقوا عليهم لقب الباشوات (مفردها باشا). والباشا ليست لفظة تكريم كما قد يظن البعض، مثل “Lord, Sir or Dock ” في الإنكليزية. بل هي لفظة إهانة وإذلال، وتعني بالحرف الواحد (الشخص الذي يحق له أن يقبّل قدم السلطان ويضعها على رأسه “تبـرّكـاً”). وهذا بالضبط ما كان يفعله الباشوات، إذ يمثلوا بين أيدي سلاطينهم، عفواً، أعني إذ يمثلوا تحت أقدامهم.
تعد مهمة نشر الفوضى والقلاقل أولى أولويات الوالي العثماني، وتتلخص مسؤولياته بنشر الرعب والقهر والقتل والدمار. وأفضل الولاة في أعين السلاطين من يبالغ في استخدام السياط والقازوخ ومفارم اللحم البشري، وأفران شي الآدميين، (وذلك ما اقتبسه حليفهم هتلر في مجازره لاحقاً). ونرى أكثر الولاة قبولاً لدى الأستانة، من ينجح في تشريد وتهجير وتدمير أكبر عدد ممكن من القرى والمدن والبلدات التي تقع تحت سيطرته.
(12) كان العثمانيون ينظرون بازدراء إلى جيرانهم المسلمين في الشرق والجنوب من فرس وأكراد وعرب. وكانوا يكيلون للناطقين بالعربية أقذع السباب والشتائم. فعبارة “عرب جرب” الشهيرة، هي واحدة من ألطف وأرق ألفاظهم البذيئة، وفيها يشبهون العربي بالمداس الذي يتم انتعاله بعد ارتداء الجوارب. خص العثمانيون شعوب أوربا بغزواتهم المدمرة، وحقدهم وغيظهم، مستنكفين عن إضاعة الوقت والجهد في تدمير شعوب اعتبروها “أقل شأناً” قاطنة في جنوبهم الشرقي. بيد أن العثمانيون لم يتوانوا يوماً عن تدمير تلك الشعوب المسلمة، حين تهدد أمنهم خطر عسكري قادم من هناك، أو بعد سلسلة من هزائم وخيبات أمل في معاركهم مع أوربا.
(13) أرسل والي مصر محمد علي باشا ابنه ابراهيم باشا لقتال العثمانيين في سوريا، فانتصر عليهم في قونية (1831- 1833) وفي نصيبين (1839)، وبذلك تدهورت الأوضاع في المنطقة. ولأجل تأمين سلامة طريق تجارة الحرير، فقد رعت ملكة إنكلترا الشابة فكتوريا (1837-1901) مفاوضات سلام جرت في لندن عام 1840، بين السلطان العثماني الشاب عبد المجيد الأول (1839-1861)، وحاكم مصر الشيخ محمد علي باشا (1805-1849) ، انتهت بتوقيع معاهدة لندن التي يتخلى بموجبها محمد علي عن سوريا مقابل إقرار العثمانيين بأحقية سلالته في حكم مصر. يقال (والعهدة على الراوي) بأن السلطان العثماني رفض الصفقة مبدئياً لكنه أمام إلحاح مضيفته، وافق عليها لاحقاً بقوله: “بقشيشك مصر”. أي إنه تنازل عن مصر، لا عن قناعة ذاتية، بل إكراماً للملكة.
(14) تقوم “فلسفة” الإدارة العثمانية على اعتبار الشعوب الرازحة تحت نيرهم كجرذان مخبأة في كيس من القنـّـب “الجنفاص” Canvas، وهو ما نسميه في العامية “الكونية” أو “الجوال” والتي نستعملها في خزن القمح والشعير لأن نسيجها الخشن يسمح بمرور الهواء خلالها، فلا تتعفن. ويقول لسان حال العثمانيين: “يجب أن نزعزع أمن واستقرار الشعوب التي نحتلها، ونجعلها تعيش في رعب وقلق دائمين، حتى نبقيها تحت سيطرتنا، لأن الجرذان إذا ما تركت كي تنعم بالهدوء والسلام، فإنها ستجد الفرصة سانحة لقضم خيوط القنب والهرب من الكيس، أما إذا واظبنا على رجها بعنف فإننا نمنعها من الاستناد على أرجلها والإمساك بتلابيب تلك الأكياس، والشروع في قضمها والخروج منها”.
(15) ليست التركية بلغة حقيقية بل هي مزيج من اللغط والتعابير المسخ، المستوردة بصورة عشوائية من كل لغات الشعوب التي سقطت بأيدي العثمانيين. كتب العثمانيون أوامرهم بالحروف العربية كي يحافظوا على ارتباطهم المزعوم بالخلافة العباسية الإسلامية البائدة. وفي عام 1923 أمر مصطفى كمال أتاتورك بإلغاء نظام الخلافة العثمانية، وإلغاء استخدام الحروف العربية في كتابة التركية، (التي بها تكتب أيضاً الفارسية والأوردو حتى يومنا هذا)، واستبدلها بحروف لاتينية، وشجع فكرة صياغة وتأليف قواعد للغة التركية، وإغناء اللغة بالمؤلفات الأدبية والقومية.
(16) يعزو العثمانيون خسارتهم المتتابعة لمعظم الممالك التي كانت تحت إمرتهم، واقتصار دولتهم (تركيا الحالية) على آسيا الصغرى وجزء أوربي صغير من بقايا الدولة البيزنطية (بموجب اتفاقية سان ريمو 1920)، يعزونها إلى عامل اللغة التي هي في عرفهم العنصر الوحيد للقومية. فتلك الشعوب (بحسب رأيهم) قد انفصلت عن تركيا فقط لكونها لم تتحدث التركية. ولذلك فاللغة الوحيدة التي يسمح باستخدامها في وسائل الإعلام التركية هي التركية، وبها تبث خمسون قناة تلفزيونية TV Channels وعشرات المحطات الإذاعية Radio Stations. وتعد تركيا الرائدة بين دول العالم في دبلجة الأفلام والمسلسلات الأجنبية بأصوات ممثلين أتراك، ونادراً ما تجد ترجمة مكتوبة Close Caption  على الأفلام.
(17) ظلت أوربا تئن تحت وطأة ضربات العثمانيين الماحقة. ورغم بعض الانتصارات المحدودة التي حققها الأوربيون هنا وهناك، فقد ظل العثمانيون يشكلون تهديداً خطيراً للكيان الأوربي برمته، حتى توالت هزائم العثمانيين في الربع الأخير من القرن السابع عشر على يد البولونيين 1675 والروس 1681 والنمساويين والهنغاريين (المجريين) 1687 والصرب 1691. واستطاعت روسيا وأوكرانيا ودول البلقان في بحر القرنين الثامن عشر والتاسع عشر أن تسترد معظم أراضيها من الغزاة الهمجيين، وكانت اليونان Greek قد شفت من داء العثمنة بعد أن قامت بثورة عارمة (1821-1829) نالت على إثرها استقلالها عن العثمانيين عام 1830.
(18) اختارت العناية الإلهية القائد النمساوي (فرنسي الأصل) الأمير أوجين Prince Eugene (1663-1736) لتعدل موازين القوى لصالح أهل الأرض الأوربيين ضد غزاتهم العثمانيين. فقد قصم هذا القائد المغوار ظهور الغزاة الجبناء، وطارد فلولهم التي هربت أمامه كالجرذان المذعورة. لقن هذا البطل غزاة بلاده أقسى الدروس في معركتين فاصلتين، غيرتا وجه تاريخ أوربا الحديث، هما معركة زنطة 1696 ومعركة بتروفاردين 1716 حيث فرض المنتصر على العثمانيين المهزومين بعد الأولى التخلي عن ترانسلفانيا والمجر في معاهدة كرلوفيتش (1699)، وبعد الثانية التخلي عن بلغراد وصربيا في معاهدة باساروفيتش (1718).
(19) لم تنجب الإمبراطورية العثمانية، على مدى تاريخها الطويل، ولا رجلاً واحداً يستحق أن يشار له بالبنان. ومن بين جميع رجالاتها الأراذل، نختار أقلهم سوءاً ألا وهو مدحت باشا (1822-1884). فهذا “الباشا” يشبه العثمانيين قاطبة، في كراهيته العمياء لغير المسلمين وحقده الأسود على كل ما هو غير تركي. ويبدو بأنه كان محدود الذكاء أسوة بأسلافه، إذ يقول عنه المؤرخون، أنه ارتكب خطأ فادحاً بهدمه السور الذي بناه الخليفة العباسي الثاني “أبو جعفر المنصور” للمدينة المدورة “بغداد”، ظناً منه بأنه يوفر على رعاياه حق الآجر (القرميد الأصفر) لبناء المنازل، لكنه في الحقيقة حرم المدينة الأثرية من أحد معالمها التاريخية الفريدة.
(20) كان مدحت باشا قد أصبح الرجل الثاني في الإمبراطورية العثمانية في حقبة السلطان عبد العزيز (1861-1876)، وشغل منصب الصدر الأعظم (وهو ما يعادل رئيس الوزراء في أيامنا هذه) (1872-1877). اتسع نفوذ مدحت باشا تدريجياً، واكتسب حب الجيش والعامة له، لأنه أراد فرض سلطة الدستور على عموم البلاد، لكن أحلامه ذهبت أدراج الرياح، فقد خلف السلطان عبد العزيز على حكم الأستانة ابن أخيه مراد الخامس (1876)، ولم تمض سوى أشهر قلائل على حكم مراد، حتى تآمر عليه أخوه عبد الحميد الثاني(1876-1909)، وتمكن من إزاحته عن السلطة والاستئثار بالحكم لنفسه. أقلقت طموحات مدحت باشا سلطانه الجديد، فعزله من منصب “الصدر الأعظم”، وعينه والياً على بغداد (1877-1880). لم ترق لعبد الحميد تصرفات واليه في بغداد، والذي شرع بتعلم اللغة العربية (لغة القرآن)، وسن القوانين المدنية، وتشكيل المحاكم الدستورية، والمجالس المحلية، وإنشاء المدارس والمستشفيات، فعزله من ولايته، واستدعاه على الفور إلى الأستانة حيث أمر بإيداعه السجن، ثم بقتله خنقاً.
(21) لقد أطلق المؤرخون على الدولة العثمانية في آخر سنيها لقب “الرجل المريض، حيث انحسر نفوذها الجغرافي والسياسي، وخسرت معظم الممالك التي خضعت لها. لكن الحقيقة التي يجب ألاّ تغيب عن ذهن القارئ اللبيب هي أن الدولة العثمانية كانت رجلاً مريضاً، وبكل معنى الكلمة، منذ تأسيسها المشؤوم (1281)، وحتى زوالها المبارك (1923). لقد ابتدأ المرض فكرياً وعقلياً ونفسياً وإيمانياً، ثم استشرى الوهن والهزال في بنية الإمبراطورية الطفيلية وقضى عليها. لقد طهرت أوربا شعوبها من دنس العثمانيين، وطردتهم عن معظم أراضيها. فهل يرتكب الأوربيون الخطأ التاريخي الفادح بقبول تركيا (80 مليون نسمة) عضواً في اتحادهم الأوربي ليدخلوا من الشباك، الوحش الكاسر الذي طردوه من الباب، بعد كد وعناء ولأي قرون مريرة من الرعب والدمار؟
(22) في أواخر القرن الثامن عشر، حاول بعض مسيحيي الشرق الأوسط من السريان الموارنة أن يجدوا لأوطانهم نجاة من الغزو العثماني البغيض. فتنازلوا عن لغتهم السريانية وعن قوميتهم، وأتقنوا العربية كي يوحدوا جهود مواطنيهم من مسلمين ومسيحيين ويهود لطرد الأجنبي الباغي. أنشؤوا الجمعيات القومية العربية، واستوردوا أول مطبعة حديثة باللغة العربية، وصاروا يصدرون الكتب والمجلات بالعربية كبطرس البستاني وابراهيم اليازجي. عرف بينهم بعض المتطرفين للعروبة، أمثال جورج أنطونيوس، وقسطنطين زريق، وجرجي زيدان الذين نادوا بوحدة أسلاب الأمبراطورية العربية الإسلامية في أمة عربية واحدة من المحيط إلى الخليج.
(23) باءت بالفشل جهود مسيحيي سوريا ولبنان في توحيد الشعوب الناطقة بالعربية لمقارعة الطغيان العثماني. ففي الوقت الذي كان هؤلاء “القوميون العرب” يبذلون الجهود حثيثة لترقيع الفجوات بين ذلك النسيج غير المتماسك من أبناء جلدتهم، فوجئوا ببعض الشعوبيين من مواطنيهم والذين وصفوهم بأكثر الألفاظ بذاءة “مسيحي رقعة” وسلموهم إلى قبضة الغزاة الجلادين، مفضلين الخضوع والخنوع لحكم آل عثمان “الأخوة في الدين” على وضع أيديهم في أيدي مواطنيهم المستعربين من أبناء العقيدة المسيحية. وباع بعض العرب والأكراد ضمائرهم للعثماني “العصمللي” الذي استخدمهم عملاء وخونة، وأداة لقتل مواطنيهم الكلدوآشوريين السريان والأرمن، وتدمير قراهم ودساكرهم، وتشريدهم من ديارهم، وفرض الإسلام عليهم ديناً، وإخضاعهم بالحديد والنار، لحكم آل عثمان.
(24) فشلت النظريات والتأملات التي أطلقها ميشيل عفلق في عشقه للنبي العربي والقومية العربية  واللغة العربية، في اجتذاب الشعوب الناطقة بالعربية نحو نظريته العمياء، كالذباب نحو العسل. فالأكاذيب الصارخة، والطمس المتعمد، ومحق هوية الشعوب الكلدوآشورية السريانية، والقبطية، والأمازيغية، والحبشية، واليمنية التي تقصدها المنظـّر جعلت أفكاره الجوفاء تذهب إلى مزبلة التاريخ، دون أن تثير رغبة حقيقية لدى أي إنسان عاقل، في النضال لأجل تلك الوحدة المزعومة. على أن بعض القادة المعاصرين ممن أظهروا هوسهم بالقومية العربية، كجمال عبد الناصر وصدام حسين، وجدوا في مبادئ “القومية العربية” تلك، وفي قضية العرب المركزية “فلسطين” حصان الرهان، الذي سيضمن لهم إحراز قصب السبق، وتضليل الجماهير “العربية”، والفوز بقلوبها، تمهيداً لضمها تحت لوائهم والتحكم بمقدراتها وثرواتها، تمهيداً لحكمها إلى ما شاء الله.
(25) إن كانت الشعوب والأمم  التي خضعت يوماً ما لحكم العثمانيين، تفخر اليوم بأنها قادت حروب تحريرها ضد الغاصب المعتدي حتى أخرجته بالقوة من أراضيها، فإننا ومع كامل اعتزازنا بانتمائنا الشرق أوسطي، لا نملك هذا الفخر، بل ندين للأوربيين بفضل تحريرنا من جلاوزة آل عثمان. ففي مطلع الحرب العالمية الأولى نزلت القوات الفرنسية والبريطانية المباركة على السواحل الشرقية للبحر المتوسط، والسواحل الشمالية للخليج الفارسي (العربي)، وأرغمت العثمانيين على الانسحاب من العراق وبلاد الشام، بموجب اتفاقيتي سايكس بيكو (1916) وسان ريمو (1920)، حيث انتدبت تلك الأقطار تمهيداً لتهيأتها لنيل حريتها الكاملة التي تستحقها، والتي نالتها لاحقاً.
(26) يتفق المؤرخون على أن سلاطين بني عثمان بمجملهم، كانوا قد أصيبوا بلوثة في العقل والقلب والنفس والضمير، دفعتهم نحو توسيع النفوذ وزيادة رقعة الإمبراطورية، والانغماس في الفسق والفجور، والرغبة المتواصلة في القتل والتدمير والتلذذ بتعذيب الآخر، وهو ما يسمى علمياً بـ (السادية Sadism). لكن ما يؤسف له هو أن يوجد بين ظهرانينا اليوم الكثيرون ممن اعتادوا الذل والهوان، وصاروا يطلبونه ويتمنونه، ويشتهون السياط والقازوخ وتقطيع الأوصال وفقأ العيون والشي والكي الذي مارسه العثمانيون بحق شعوبهم، وهو ما يطلق عليه علمياً بـ (الماسوشية Masochism).
(27) إن بعض المحطات الفضائية العربية “ذائعة الصيت”، بحاجة ماسة إلى استئجار كم هائل من العلماء النفسيين Psychologists والأطباء النفسيين Psychiatrists ، للنظر في الحالة المستعصية للعديد من إدارييها ومراسليها، ومندوبيها، ومشاهديها، ومتابعيها على الشبكة الدولية للاتصالات Internet، من المصابين بـ (الماسوشية Masochism)، والذين مازالوا يترحمون على حكم الخلافة العثمانية ويشتهون عودة حكم “الأخوة في الدين”، ويلعنون الساعة التي ولد فيها الزعيم التركي المعاصر مصطفى كمال أتاتورك “مبدد الأحلام” و “مفرق الأصحاب والأحباب”.

About these ads

مناقشة

3 thoughts on “الخلافة العثمانية (ملخص لتاريخ الخلافة العثمانية)

  1. بالاول لكل دولة بداية ونهاية
    وثانيا شكلك نصراني حاقد من كلامك؟؟؟؟؟؟

    Posted by hussain | يونيو 17, 2011, 5:33 م
  2. أنت حاقد و جاهل بالتاريخ و لا تستحق أن أردّ عليك !

    Posted by محمود | يوليو 22, 2011, 12:04 م
  3. السلام عليكم و رحممة الله و بركاته

    نسأل الله الهداية و ان يهدي كاتب المقال الى الصراط المستقيم

    يبدوا انك لا تفقه شيء في تاريخنا الاسلامي , كانت الدولة العثمانية درعا للمسلمين الذين سكنون في كفها
    فلم تحتل فلسطين الا بعد سقوط الدولة العثمانية الاسلامية , و لم تحتل اراضي المسلمين التي كانت تحكمها
    الا عندما اهالت الدول علينا , لأننا غثاء كغثاء السيل كما قال صلى الله عليه و سلم في حديثه : “توشك الامم ان تداعى عليكم كما تداعى الاكلة الى قصعتها” فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟ قال: “بل انتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن الله في قلوبكم الوهن” فقال قائل: يارسول الله، وما الوهن؟ قال: “حب الدنيا وكراهية الموت”.

    اما مسألة مذابح الارمن الذي اتهم بها الصليبيون و اليهود الدولة العثمانية , هل تعلم ان الارمن و اغلبهم يهود و نصارى , قد قتلوا الاف المئات من السملمين , عندما ندافع عن انفسنا يتهمونا بالارهاب و عندما يقتلونا يقولون
    بأنها الديموقراطية و الحرية .
    فأغلب هذه الجرائم ينسبونها الغرب و اليهود للدولة العثمانية .
    رحم الله سلاطين بني عثمان و غفر لهم بذنوبهم , انه التواب الرحيم , رحم الله فاتح القسطنطينية و سليمان القانوني و جدهم عثمان بن ارطغرل و رحم الله خليفة المسلمين عبد الحميد الثاني و جميع اموات المسلمين

    نسأل الله الهداية و التثبيت على الدين و هدى الله كاتب المقال .

    Posted by مدافع عن التاريخ الاسلامي | نوفمبر 11, 2011, 12:12 م

أضف تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. تسجيل خروج   / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

تابع

Get every new post delivered to your Inbox.

%d مدونون معجبون بهذه: